بالأمس، كنت جالسة في أحد صالونات التجميل، وكانت هناك فتاة جميلة وأنيقة تقف فوق رأسي وتصبغ شعري. بين الحين والآخر، كان يأتيها اتصال هاتفي أو تقوم هي بالاتصال. تارة كانت والدتها المريضة تتحدث معها من البيت، وتارة أخرى كانت تتحدث مع بعض محلات بيع الحلويات ومعامل صنع الكليجة، وتطلب منهم أن يحفظوا لها بعض حلويات العيد إلى اليوم التالي حتى تستلم أجر عملها—الذي تكاد بالكاد ترتب أمورها به—لكي تتمكن من الذهاب إلى البيت وتأخذ بعضاً من تلك الأشياء معها. ومن خلال الحديث معها، عرفت أنها الوحيدة التي تعمل في البيت، وتدير شؤون المنزل ووالدتها المريضة. وما كان يثقل كاهلها أكثر، هو أن أعمامها وأقاربها كانوا مستائين من عملها، لأنهم كانوا يخشون على مكانتهم الاجتماعية وسمعتهم.
هذه القصة التي أرويها ليست قصة فتاة واحدة في هذا العصر، وخاصة في مجتمعاتنا المحافظة. بل هي قصة مئات النساء والفتيات الأخريات اللواتي يشبهن هذه الفتاة ويعشن في ظروف مختلفة ومتنوعة.
هنا، لا أريد أن أقول إن "جميع النساء اللواتي يعملن لسن نساء سيئات أو سيئات السمعة". لأن هذا الموضوع بحد ذاته معقد بما فيه الكفاية بالنسبة لمجتمع انفتحت عيناه حديثاً على العالم، وما زال حائراً ومشوشاً بين المعتقدات والأفكار الرجعية، وبين المعتقدات الحديثة التي تلقاها في حزم جاهزة. ولكن ما أريد مناقشته هو: كيف يمكن للمرأة اليوم أن تدرك كرامتها ووجودها بين "الحفاظ على القيم الاجتماعية" بحمل شرف وناموس الجماعة في مجتمع محافظ من جهة، وفي عصر جديد الخطاب السائد فيه هو "حرية المرأة وحقها في العمل" من جهة أخرى، تحت ظلال النظام الرأسمالي الذي استعمر الإنسان في جميع أبعاده وحوله إلى سلعة "شيء"؟!
"هنا، تقع المرأة بين جبهتين لهما وجهان مختلفان، لكنهما في نقطتهما الجوهرية يتشابهان، حيث ينظران إلى المرأة كمشروع لبقائهما وتطورهما."
ففي المجتمعات المحافظة، يُحظر خروج المرأة وعملها لأن المجتمع يرى في ذلك تهديداً للمؤسسة الأسرية والاجتماعية. وعلى العكس من ذلك، نرى في المجتمعات الاستهلاكية المعاصرة طلباً مفرطاً على عمل المرأة وخروجها، لأن مجرد وجود مظهرها وبشاشتها في مكان العمل له قيمته التسويقية الخاصة.
إذن، هذه المعضلة ليست خاصة بـ "النساء" وحدهن. لأنه يبدو أن الإنسان بشكل عام داخل هذه الأنظمة يُستغل وفقاً لبقاء هذه الأنظمة وتطورها، سواء كان رجلاً أم امرأة. ولكن المرأة أكثر؛ لأنه على مر تاريخ الثقافات الاجتماعية المختلفة، كانت قيمة المرأة تُقاس بمدى أدائها للمدور المطلوب منها بشكل صحيح، وليس بأهمية وجودها وقدراتها وأفكارها ورؤاها كإنسان.
النتيجة؛ يبدو أن إحدى مآسي النساء في مجتمعاتنا اليوم هي أنهن يقعن ضحايا لخطابين مختلفين: خطاب يخشى وجودها ويرفضه، وخطاب يريد وجودها ولكن بشرط أن تكون قابلة للاستثمار والتوظيف.
من هنا، يتغير السؤال تلقائياً: أينما كانت المرأة، سواء داخل البيت أو خارجه، هل "المرأة" في وجودها حقاً كائن ذو حقوق ومسؤوليات، أم أنها مجرد شخصية مستأجرة؟! وماذا تعني المرأة خارج هذه الأنظمة على أي حال؟!
تعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد