كركوك بين الهوية ومساعي التعريب
إن التغيير الذي حدث في خيانة أكتوبر 2017 في كركوك، لم يكن مجرد تغيير عسكري، بل كان بداية لمرحلة جديدة أُعيدتْ مشكلةُ هذهِ المدينةِ لتصبحَ مشكلة بين الهوية والسلطة. كركوك، هي تلك المدينة التي في التاريخ لم تكن مجرد منطقة اقتصادية مهمة فحسب، بل جرت المحاولات باستمرار لتعريبها ولتغيير الديموغرافيا ونسبة المكونات في هذه المدينة.
في عهد نظام صدام، طُبقت سياسة التعريب بشكل منظم؛ حيث طُرد الكورد قسراً من أماكنهم، وجيء بالعائلات العربية مكانهم وأُعطوا كافة الحقوق والامتيازات. هذه العملية لم تكن مجرد تغيير في السكان، لا بل كانت محاولة لتغيير هوية هذه المدينة.
بعد عام 2003، كان هناك أمل لحل هذا الموضوع عن طريق الدستور، وخاصة المادة 140 التي تتحدث عن "التطبيع" وإعادة كافة الحقوق للكورد الأصليين في هذه المحافظة. ولكن للأسف، تلك المادة لم تُنفذ بالكامل في أي وقت، وحتى يومنا هذا لا يتم العمل بها كما يجب.
الوضع في كركوك بعد عام ٢٠١٧
بعد أكتوبر 2017، تغير الوضع في مدينة كركوك بشكل مختلف. من الناحية الرسمية، بدأت سياسة "التعريب" مجدداً وتم توطين عشرات العائلات من جنوب العراق عن طريق الأحزاب والقوات المسلحة الميليشياوية التابعة لإيران؟. وعقب تلك الخيانة العظمى، سُحبت العديد من المناصب والوظائف الإدارية من المواطنين الكورد ووُضع العرب والتركمان في مكانهم!.
لا شك أن هذا المسعى الشوفيني لإضعاف دور الكورد في المؤسسات، وعودة بعض العائلات العربية بشكل غير قانوني، كل هذه كانت جزءاً من عملية جديدة. هذه ليست مجرد مشكلة قومية، بل هي في نفس الوقت مشكلة غير عادلة. لأن عودة أي عائلة يجب أن تكون في إطار القانون وأن تكون متوازنة مع عودة أكثر من عشرين (20) ألف عائلة كوردية تم ترحيلها بعد نكسة 1975 إلى مدن أربيل ودهوك وسليمانية، وهذا القدر أيضاً يجب أن يُحفظ. وإلا، فإن ذلك سيكون شكلاً من أشكال "التعريب" الذي يُنفذ دون إعلان.
خطوات مواجهة مشروع التعريب
إن قضية إيقاف "التعريب" في كركوك والمناطق الأخرى من كوردستان، ليست قضية هوية فحسب، بل هي قضية سياسية وقانونية وديموغرافية:
• أولاً: يجب أن يكون الكورد متحدين. لأن الخلاف الداخلي، مع كل هذه الجهود التي تحارب الكورد، هو أقوى مساعد لزيادة مشروع التعريب.
• ثانياً: دعم النظام القانوني، وخاصة تطبيق المادة 140 من الدستور العراقي، التي تحدد الحل لكركوك والمناطق المتنازع عليها.
• ثالثاً: يجب إعادة السكان الكورد في تلك المناطق وتوفير الدعم المادي والخدمي لهم، لأن إخلاء المناطق يمهد الطريق حينها لتغيير الديموغرافيا.
• رابعاً: العمل على الوعي الوطني وحماية اللغة والثقافة أمر مهم، لأن "التعريب" ليس مجرد تغيير للأرض، بل هو في نفس الوقت تغيير للهوية.
• خامساً: يجب أن يكون هناك جهد دبلوماسي نشط لإيصال هذا الموضوع إلى المجتمع الدولي، من أجل خلق ضغط على الأطراف التي تدير مشروع "التعريب".
خلاصة
على أية حال: إذا لم يحافظ الكورد في الداخل على وحدة صف بيتهم الداخلي ولم يكونوا أقوياء ولم تكن لديهم استراتيجية محكمة وواضحة، فإن "التعريب" سيستمر بلا شك؛ ولكن الوحدة، والقانون، والوعي يمكنهم الوقوف بوجه هذا المشروع.
تعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد