جرائم الجينوسايد وتاريخ نضال الشعب الكردي: إبادة البارزانيين عام ١٩٨٣
إن جينوسايد البارزانيين ليس مجرد صفحة حزينة ومظلمة في سجلات التاريخ الأسود للشعب الكردي فحسب، بل هو جرح نفسي عميق، غير مندمل، ونازف في أعماق الإنسانية جمعاء وضمير العالم. ففي ٣١ تموز من عام ١٩٨٣، ارتكب نظام البعث البائد، بخطة مسبقة وشوفينية، جريمة كبرى وغير مسبوقة ضد الإنسانية والأمة الكردية.
لم تكن هذه الفاجعة السوداء حدثاً عابراً أو مفاجئاً، بل كانت البداية لسلسلة شؤم وشوفينية من عمليات "الأنفال". وكان الهدف الرئيسي لسلطة بغداد من هذه الجريمة هو الإبادة الجسدية، واقتلاع الجذور، ومحو الهوية والقوة والإرادة الجبلية للإنسان الكردي في قلب جغرافية كردستان.
بداية الفاجعة (٣١ تموز ١٩٨٣)
في صبيحة مظلمة، باردة، وساكنة، بينما كانت المدن والمجمعات السكنية لا تزال تنعم بنوم هادئ، قامت القوات المحتلة والهمجية لنظام البعث، بمئات المدرعات والدبابات والآلاف من الجند المدججين بالسلاح، بتطويق مناطق سكن البارزانيين بالكامل—ولا سيما المجمعات القسرية مثل (قوشتبة، بحركة، حرير، وديانا).
وفي هذه العملية الواسعة للخطف، ودون أي تمييز بين الأطفال الرضع، والشباب في أماكن عملهم، والشيوخ والوجهاء العاجزين، تم اقتلاع ٨٠٠٠ من الفتيات والفتيان، والرجال، والقيادات المجتمعية البارزانية بالقوة من أحضان عوائلهم واقتطاعهم.
وتم نقل هذه الأرواح الـ ٨٠00 كأسرى حرب داخل سيارات عسكرية مغلقة نحو صحاري جنوب العراق اللاهبة—وتحديداً جحيم (نُقرة سلمان، وعرعر)—دون أي تفهّم أو محاكمة قانونية.
جرائم الجينوسايد (الإبادة الجماعية)
أُعدت هذه الجريمة على أساس منظم، ومخطط له، وأيديولوجي لمحو كافة أبعاد الحياة في دهوك وأربيل وبارزان:
١. الدفن أحياء في قلب الصحراء
تلك الأرواح الـ ٨٠٠٠ من المشاعر والإيمان والإرادة، وبدلاً من أن تُروى على تراب جبالها، وُوريت الثرى أحياءً في مقابر جماعية تحت حرارة الصحراء الجنوب القاتلة. وفي ظلمات الوحدة وعطش الصحراء، لفظوا أنفاسهم الأخيرة بصمت، دون قطعة قماش لتكون كفناً لهم أو حجر يوضع فوق قبورهم.
٢. العقاب الاجتماعي والاقتصادي (تجربة الأمهات البارزانيات)
كان ترك ٨٠٠٠ منزل بلا أب ولا زوج خلفهم نكسة اجتماعية كبرى. غير أن النساء والأمهات والأخوات البارزانيات تحملن بمفردهن مسؤولية جسيمة وصعبة:
- أدرن منازلهن بمفردهن ولعبن الدور المزدوج للأب والأم معاً.
- في الوقت الذي كان فيه أزواجهن يُدفنون أحياء في الصحراء، لم تقطع الأمهات البارزانيات سلسلة الكرامة تحت وطأة الأعباء الاقتصادية الثقيلة والضغوط النفسية والعسكرية لنظام البعث.
- ومن خلال العمل الشاق والحفاظ على الكبرياء، لم يسمحن لأنوار بيوتهن أن تنطفئ، وربين جيلاً جديداً على النهج والهوية الوطنية.
٣. النكسة الثقافية ومحاولة محو التراث الأصيل
أراد نظام البعث من خلال هذه الجريمة والخطف قتل الجغرافيا الثقافية وروح الصمود في تكية بارزان تماماً وإلغاءها. ولكن الصمود الفلكلوري والثقافي والإيمان الراسخ لزوجاتهن وأمهاتهن جعل حلم العدو يتلاشى في أحشاء المحتلين، وسوّد الوجه السياسي لحزب البعث.
النتائج والأثر على القضية الكردية
جعل أعداء الشعب الكردي من فاجعة البارزانيين في عام ١٩٨٣ تجربة و"جسرًا" لتنفيذ عمليات أنفال أكبر وأوسع نطاقاً في عام ١٩٨٨، والتي نتجت عنها جرائم (أنفال گرمیان، بهدينان، والقصف الكيميائي لحلبجة).
ولكن بنضال وإخلاص شعبنا المستمر وتوثيق القيادات الكردية، أُعترف بهذه الجريمة رسمياً على المستوى الدولي ومن قبل المحكمة الجنائية العليا في العراق كـ "جينوسايد وجريمة ضد الإنسانية" وتم إثبات عقاب المجرمين.
تعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد