ملف الفساد كأداة سياسية: المفارقة بين تجربة إقليم كوردستان والواقع العراقي
في عام ٢٠١٦، فرض على إقليم كوردستان حصار سياسي واقتصادي، واتخذت مجموعة من الحجج والشعارات لتبرير ذلك، وكان من أبرزها الحديث عن الفساد الإداري والمالي في الإقليم. لكن السؤال الذي ظل قائماً، وما زال قائماً حتى اليوم:
إذا كان الفساد هو المشكلة، فلماذا عوقب شعب كامل بسبب أخطاء حكومته؟ ولماذا لم تكن هناك المعايير نفسها عندما كان الفساد ينهش مؤسسات الدولة العراقية؟
لقد قيل الكثير عن كوردستان، وكُتبت التقارير، وأُطلقت الاتهامات، وتحول ملف الفساد إلى سلاح سياسي يستخدم كلما أراد البعض الضغط على الإقليم أو تشويه صورته أمام العراقيين والعالم. لكن هناك حقيقة لا يمكن دفنها تحت ركام الدعاية السياسية: كوردستان لم تتوقف عن البناء.
رغم الأزمات الاقتصادية، ورغم قطع أو تأخير المستحقات، ورغم الحروب والإرهاب والنزوح، ورغم الخلافات السياسية، استمرت في بناء المدن والطرق والمستشفيات والجامعات والمطارات والمشاريع الخدمية والاستثمارية. ولمن يريد المقارنة، فليضع كوردستان إلى جانب المحافظات العراقية الأخرى، لا بالشعارات، وإنما بالأرقام والصور والواقع على الأرض. بعد عقود من إدارة الدولة، وبعد مئات الملايين والمليارات من الدولارات التي دخلت خزينة العراق، وميزانيات هائلة، لا يزال المواطن في كثير من المحافظات العراقية يسأل عن الكهرباء والماء والطرق والخدمات وفرص العمل؛ وفي المقابل، تُستخدم كوردستان أحياناً وكأنها هي سبب كل أزمات العراق!
المفارقة السياسية وازدواجية المعايير
هنا تبدأ المفارقة السياسية: كيف يمكن لمن لم يستطع بناء دولة مستقرة رغم كل هذه الثروات أن يحاضر الآخرين في الإدارة والفساد؟ وكيف يمكن لمن يتهم كوردستان بالفساد أن يطلب من المواطن الكوردي أن يصدق بأن المشكلة كلها في أربيل؟
الأكثر إثارة للجدل هو أن السنوات الأخيرة كشفت للرأي العام العراقي ملفات فساد ضخمة، وأصبحنا نرى مسؤولين وشخصيات ومتنفذين كانوا يتحدثون ليل نهار عن الفساد في إقليم كوردستان، بينما كانت ملفات الفساد الكبرى تفتح داخل المؤسسات التي كانوا هم جزءاً منها أو قريبين منها.
وهنا لا بد من القول بوضوح: لسنا ضد محاسبة الفاسدين، بل نريدها أكثر من غيرنا. لكن المحاسبة الحقيقية لا تكون انتقائية؛ لا يمكن أن يكون الفساد في كوردستان جريمة وطنية، بينما يتحول الفساد في بغداد إلى ملف سياسي قابل للمساومة والتسويات. لا يمكن أن يحاكم إقليم كامل بسبب شبهات أو أخطاء، بينما تختفي مليارات الدولارات في ملفات فساد، ثم يبدأ الجميع بالبحث عن شماعة جديدة.
متطلبات مكافحة الفساد الشاملة
إذا كانت الدولة العراقية جادة فعلاً في مكافحة الفساد، فلتبدأ من الجميع:
- من أعلى منصب إلى أصغر موظف.
- في بغداد وبقية المحافظات دون استثناء.
- من الوزارات إلى الهيئات المستقلة.
- من العقود الحكومية إلى الأراضي والمزارع والاستثمارات.
- ومن المال العام إلى الذهب والعقارات وكل ما تراكم من ثروات لا يمكن تفسيرها بالرواتب والمداخيل الرسمية.
لا نريد حملة انتقائية على الفساد؛ نريد دولة تحارب الفساد بنزاهة وتجرد.
أين ذهبت الثروات؟ والسؤال المحرج
والسؤال الذي يجب أن يطرح بصوت عالٍ: إذا كانت كوردستان فاسدة إلى الحد الذي صورت به طوال السنوات الماضية، فكيف استطاعت، رغم كل الحصار والأزمات والحروب، أن تحافظ على هذا المستوى من العمران والخدمات والاستثمار؟ وفي المقابل، أين ذهبت أموال العراق؟
هذا هو السؤال الذي يزعج كثيرين؛ لأن المشكلة ليست في أن كوردستان بنت، بل المشكلة أن كوردستان بنت ولذلك أصبحت المقارنة محرجة. فبدلاً من السؤال: لماذا لا تكون بغداد مثل أربيل؟ يطرح السؤال أحياناً: كيف نضعف أربيل؟ وهذه ليست مكافحة فساد، بل سياسة صراع وإضعاف.
Koment (0)
Hêşta tu koment nînin