قراءة نقدية في كتاب «المرأة: ملاك أم شيطان؟»: بين سلطة النص وتاريخية التفسير
منذ قرون طويلة، والمرأة تقف في قلب صراع كبير بين النص والتفسير، وبين الدين والعادات، وبين حقها في أن تختار حياتها وبين رغبة المجتمع في أن يختار عنها.وبين هذا وذاك يأتي كتاب ( المرأة: ملاك أم شيطان؟)الذي الّفه الكاتب والباحث (مريوان حلبجي) وترجمه من الكوردية إلى العربية الكاتب والباحث (حجي ريكاني) بدعم من صندوق الأدب المتخصص في النرويج، وطبع بأحدى مطابع بولندا،ليطرح مجموعة من الأسئلة التي قد تبدو بسيطة، لكنها في الحقيقة عميقة وحساسة:
هل كل ما نعرفه اليوم عن المرأة هو بالضرورة حكم ديني؟
وهل كل ما فُرض عليها عبر التاريخ جاء من النص نفسه، أم أن جزءاً منه جاء من فهم الرجال للنص؟
يناقش الكتاب عدداً من الآيات والروايات المتعلقة بالحجاب والمرأة، ويحاول إعادة قراءتها بعيداً عن التفسيرات التقليدية التي أصبحت، مع مرور الزمن، تبدو عند كثيرين وكأنها هي النص نفسه.ولا شك لو قلنا بأن التفسير في النهاية عمل بشري، يكتبه إنسان يعيش في زمان معين، ويتأثر بثقافته ومجتمعه والأسئلة التي كانت مطروحة في عصره.ولهذا فإن مراجعة بعض التفاسير القديمة لا تعني بالضرورة مهاجمة الدين، وإنما تعني طرح سؤال مشروع وهو:هل يجب أن يبقى تفسير بشري عمره مئات السنين هو التفسير الوحيد الممكن إلى الأبد؟
الحجاب، تعدد الزوجات، واحتكار الفهم الذكوري
من أكثر القضايا التي يناقشها الكتاب هو قضية الحجاب وقضية تعدّد الزواج في الاسلام.فالحجاب مثلاً حسب رأي الكاتب والمترجم في صورته المعاصرة أصبح عند كثير من المجتمعات رمزاً دينياً واجتماعياً في الوقت نفسه. لكن الكتاب يحاول أن يعود إلى أصل المصطلحات والنصوص، ويتساءل عن كيفية انتقالها من سياقها التاريخي إلى الشكل الذي أصبحت عليه اليوم.
وهنا تظهر قضية أكبر من الحجاب نفسه، وهي: إذا كان جزء من الأحكام المتعلقة بلباس المرأة قد تشكل عبر التاريخ نتيجة التفسير والعادات والظروف الاجتماعية، فهل من العدل أن تُعامل المرأة اليوم وكأنها مسؤولة عن الالتزام بتفسير واحد لا يسمح لها بالمناقشة أو الاختيار؟
فالمرأة التي تُمنع من اختيار لباسها ليست حرة تماماً، كما أن المرأة التي تُجبر على لباس معين باسم المجتمع أو الدين ليست حرة أيضاً. فالحرية الحقيقية تعني أن يكون للإنسان حق الاختيار.
واكبر سؤال طرحه المؤلف ربما هو: لماذا احتكر الرجال عبر التاريخ تفسير كثير من النصوص المتعلقة بالمرأة؟
فإذا كان للمرأة عقل وإرادة ومسؤولية دينية وأخلاقية، فمن الطبيعي أن يكون لها أيضاً حق المشاركة في تفسير النصوص التي تتعلق بحياتها. طبعاً ليس من المنطقي أن تكون المرأة هي موضوع الحكم دائماً، بينما يكون الرجل هو صاحب السلطة في تفسير ذلك الحكم ولهذا أقول: إن تحرير المرأة يبدأ أيضاً من تحرير حقها في التفكير والسؤال والنقاش.
بين المثالية والاتهام: المرأة كإنسان
يمكن للإنسان أن يؤمن بدين معين، وفي الوقت نفسه يناقش تفسيراً تراثياً لهذا الدين.ويمكنه أن يحترم معتقدات الآخرين، وفي الوقت نفسه يختلف معهم فكرياً.المشكلة هنا تبدأ عندما يتحول الاختلاف الفكري إلى اتهام، أو عندما يصبح السؤال جريمة، أو عندما يُنظر إلى الباحث الذي يقدم قراءة مختلفة باعتباره عدواً.
إن المجتمع الذي يخاف من السؤال لا يحمي الحقيقة؛ بل يحمي تفسيراً معيناً للحقيقة. وعنوان الكتاب نفسه يحمل سؤالاً رمزياً مهماً.لماذا نصرُّ دائماً على وضع المرأة في أحد طرفين؟ إما امرأة مثالية يجب أن تكون مطيعة وصامتة ومطابقة للصورة التي يرسمها المجتمع لها، وإما امرأة منحرفة إذا اختارت طريقاً مختلفاً!!!؟.
اخالف الكاتب والمترجم هنا، فإن المرأة ليست هي لا شيطان ولا هي ملاك، بل هي إنسانة مثل الرجل، قد تصيب وقد تخطئ، وقد تتفق مع الدين أو تختلف في فهمه، وقد تختار الحجاب أو لا تختاره، وقد تكون محافظة أو مختلفة، لكنها في جميع الأحوال تبقى صاحبة عقل وكرامة وإرادة.ولا ينبغي أن تكون قيمة الإنسان مرتبطة بمدى مطابقته لصورة رسمها المجتمع عنه.
ونحن نعلم بأن انساننا في مجتمعاتنا الشرق أوسطية، يخشى من الحديث عن حرية المرأة لأنهم يربطون الحرية بالفوضى أو انهيار الأخلاق.لكن برأيي أن الحرية ليست غياب المسؤولية. بل تعني أن تختار ثم تتحمل مسؤولية اختيارك.والمرأة التي تختار طريقاً مختلفاً ليست بالضرورة أقل أخلاقاً من المرأة التي تختار الطريق التقليدي. فالأخلاق الحقيقية لا تُقاس دائماً بطول الملابس أو شكلها، وإنما أيضاً بالصدق والكرامة واحترام الآخرين وتحمل المسؤولية.
إعادة قراءة التراث في ضوء معطيات العصر
اليوم ليس مثل1000عام مضى، لقد تغير التعليم والعمل والقانون والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية. وأصبحت المرأة طبيبة ومحامية وأستاذة ومهندسة وباحثة وقاضية ووزيرة وقائدة في مجالات كثيرة.فإذا كانت المرأة قادرة على أن تكون شريكة كاملة في بناء المجتمع، فمن الطبيعي أن يكون لها أيضاً حق كامل في التفكير في القضايا التي تحدد حياتها.ولهذا أقول: إن إعادة قراءة التراث ليست ترفاً فكرياً. بل إنها محاولة لفهم العلاقة بين النص الديني والإنسان والواقع بطريقة أكثر انسجاماً مع أسئلة العصر.
Koment (0)
Hêşta tu koment nînin