#0136

إلى متى نظل ننفخ في الرماد؟

Kurd Diaspora Kurd Diaspora 23 Jul 2026 · 1 min read · 2 views
إلى متى نظل ننفخ في الرماد؟

النفخ في الرماد: عن أزمة الفكر والتطلع نحو النهضة

إن النفخ في الرماد ليس مجرد تعبير مجازي، بل هو وصف دقيق لحالة ثقافية وفكرية ما زلنا نعيشها؛ حالة تستهلك الوقت والجهد في أوهام لا تنتج معرفة، ولا تصنع حضارة، ولا تفتح آفاقًا للمستقبل. إنها ثقافة تعيد إنتاج العجز بدلًا من تجاوزه، وتؤجل الحلول بدلًا من البحث عنها.

تتجلى هذه الحالة في ازدراء العلم، والاستخفاف بالقانون، وانتشار الخرافة، والإيمان بالخوارق بوصفها بديلًا عن العمل والعقل، والركون إلى انتظار التغيير دون بذل جهد فكري أو عملي. كما تتجسد في تمجيد القوة وجعلها الوسيلة الأولى لحل الخلافات، وفي تبرئة الذات وإلقاء المسؤولية على الآخرين، مع غياب ثقافة الحوار، وسيادة الكراهية والتبعية، والانشداد إلى الماضي حتى يتحول احترام التراث إلى تقديس يعطل التفكير والنقد، مع أن الاحترام شيء، والتقديس شيء آخر.

أزمة إنتاج المعرفة وهيمنة الأيديولوجيات

ولا يزال اعتمادنا على الغرب في كثير من مجالات العلوم الإنسانية يعكس ضعف إسهامنا في إنتاج المعرفة، لا مجرد الاستفادة من منجزات الآخرين. ويرى عدد من المفكرين العرب أن الفلسفة العربية لم تستعد حضورها المؤثر منذ عصر ابن رشد، وهو ما يدفع إلى التساؤل عن أسباب هذا الانقطاع الطويل في الإبداع الفكري.

ومن بين الأسباب التي تُطرح في هذا السياق هيمنة الأيديولوجيات الكبرى، سواء كانت قومية أو دينية أو ماركسية، عندما تتحول من رؤى قابلة للنقاش إلى عقائد مغلقة تدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة، وتميل إلى الإقصاء ورفض الاختلاف. وعندئذٍ تُنتج الاستبداد، وتُضعف حرية التفكير، وتُکرّس الخضوع بدل المبادرة، فتتشكل أجيال مثقلة بالخرافة، وأسيرة للخطابات الإقصائية، وعاجزة عن الإسهام الفاعل في مسيرة الحضارة الإنسانية. ولا تزال مجتمعاتنا تدفع ثمن هذه الممارسات على المستويات السياسية والثقافية والاجتماعية.

طريق الإصلاح والنهوض

إن أول طريق الإصلاح يبدأ بالاعتراف الصريح بأمراضنا، فالأمم لا تتعافى بالإنكار، وإنما بالشجاعة في تشخيص عللها ومواجهتها. كما يقتضي التحرر من الخوف، سواء كان سياسيًا أو اجتماعيًا أو دينيًا، والانفتاح على الفكر الإنساني، وإطلاق طاقات العقل بعيدًا عن الوصاية والتلقين.

إن نهضة المجتمعات لا تتحقق بالشعارات، بل ببناء الإنسان الواعي القادر على التفكير النقدي، واحترام القانون، والإيمان بالحوار، وإنتاج المعرفة. وهذا لن يكون ممكنًا إلا بنشر الثقافة العامة، وترسيخ قيم الحرية والمسؤولية، وتشجيع البحث العلمي، حتى نُنشئ جيلًا يمتلك القدرة على المبادرة، ويواجه تحديات عصره بعقل منفتح وإرادة مستقلة.


لقد آن الأوان أن نتوقف عن النفخ في الرماد، وأن نبدأ بإشعال نار المعرفة، فالحضارات لا تُبنى بالأماني، ولا تُصنع بالخرافات، وإنما بالعقل الحر، والعمل الجاد، والإنسان الذي يؤمن بأن المستقبل لا يُنتظر، بل يُصنع.

الكاتب: عبدالباقي احمد ملا

Share this article Reference number: #0136
 X Facebook LinkedIn WhatsApp Telegram Reddit Pinterest Email

comments (0)

No comments yet